Welcome to
الرئيسية تواصل معنا اخبر صديقك شارك بموضوع مواضيع للطباعة

دعم المقررات

منوعات

عناوين الدعم

مكون العقائد
[ مكون العقائد ]

·جدول يوضح مقارنة بين القرآن والتوراة والإنجيل
·الإسلام مقارنة باليهودية والنصرانية
·مقارنة بين القرآن والتوراة والإنجيل
·حفظ القرآن الكريم وسلامته من التحريف
·مفهوم العقيدة
·خصائص العقيدة الإسلامية
·أهمية العقيدة في حياة الإنسان
·مجالات الثبات في شريعة الإسلام
·حكمة الاختلاف بين الشرائع

  
السنة مصدر من مصادر التشريع الإسلامي
أرسل الموضوع بواسطة شبكة التربية الإسلامية في 18-3-1426 هـ
المكون:مكون أصول الفقه

السنة مصدر من مصادر التشريع الإسلامي ، فما السنة وما أقسامها وحجيتها



السنة
 السنة ­ في اللغة ­: السيرة والطريقة، حسنة كانت أو قبيحة.
ويقال: سَنَنْتُهَا سَنًّا وَاسْتَنَنْتُهَا: سرتها، وسننت لكم سنة فاتبعوها.
والأصل قولهم: سننت الماء على وجهي، أسنه سنًّا: إذا أرسلته إرسالا.
وقال ابن الأعرابي: السَّنُّ مصدر: سن الحديد سَنًّا، وَسَنَّ للقوم سُنَّةً وسننًا، وسن عليه الدرع يسنها سنًّا: إذا صبها، وسن الإبل يسنها سنًّا: إذا أحسن رعايتها، وسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - تحمل هذه المعاني؛ لما فيها من جريان الأحكام الشرعية، واطرادها.
تعريف السنة اصطلاحًا:
يختلف تعريف السنة ­ عند أهل العلم ­ وفقًا لاختلاف الأغراض التي اتجهوا إليها في أبحاثهم؛
فعلماء الأصول: عنوا بالبحث عن الأدلة الشرعية،
وعلماء الحديث: عنوا بنقل ما نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ،
وعلماء الفقه: عنوا بالبحث عن الأحكام الشرعية من: فرض ومندوب وحرام ومكروه.
وعلى ذلك فالسنة عند علماء الأصول: هي ما أثر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قول أو فعل أو تقرير.
والسنة ­ عند الفقهاء ­: تطلق على ما يرادف المندوب, والمستحب, والتطوع, والنافلة, والمرغَّب فيه.
قالوا: هي الفعل الذي طلبه الشارع طلبًا غير جازم، أو ما يثاب الإنسان على فعله، ولا يعاقب على تركه.
وأما علماء الحديث فالسنة عندهم: هي أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله وتقريراته، وصفاته الخُلُقِيَّةُ والخِلْقِيَّةُ، وَسِيَرُهُ وَمَغَازِيه، وأخباره قبل البعثة. فالسنة ­بهذا المعنى­ ترادف الحديث الشريف.
الفرق بين تعريفها عند الفقهاء والأصوليين:
السنة عند الأصوليين: اسم لدليل من أدلة الأحكام، فيقال ­مثلًا ­: ((هذا حكم ثبت بالسنة))، أي: لا بالقرآن.
أما عند الفقهاء: فهي حكم شرعي، يثبت للفعل بهذا الدليل، فيقال: هذا الفعل سنة ­ أي: حُكْمُهُ السنيَّة، وذلك يعنى: أنه ليس فرضًا ولا واجبًا. فهي - على هذا - حكم من الأحكام وليست دليلاً من الأدلة؛ ويدل عليه تعبير الأصوليين؛ فإنهم قالوا في معناها: وفى الأدلة ما صدر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - غير القرآن، من فعل، أو قول، أو تقرير، وهذا هو المقصود بالبحث عنه في هذا العلم، أي: علم الأصول.
أقسامها: يستفاد من تعريف السنة عند الأصوليين أنها أقسام ثلاثة: قولية، وفعلية،وتقريرية.
1- السنة القولية: وهى كل ما نقل إلينا من كلام الرسول - عليه الصلاة والسلام - في المناسبات، والظروف المختلفة، مما يصلح أن يكون دليلًا شرعيًّا، وهى كثيـرة جدًّا تَندُّ عن الحصر؛ ذلك لأن الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا يرافقون الرسول - عليه الصلاة والسلام - في خلواته وجلساته، وفى المسجد، وفى السوق، وفى الشارع... وكان الرسول - عليه الصلاة والسلام - يُسْأل فيجيب، وترفع إليه المنازعات فيقضى فيها، ويُسْتَفْتَى في الأمور فَيُفْتى، ويبين لهم ما نزل إليهم من ربهم من الأحكام. والصحابة في كل ذلك يعون ما يقول، ويحفظونه، ويروونه بعضهم لبعض، ويعتنون به العناية الفائقة؛ لعلمهم بأنه أصل من أصول هذه الشريعة.
ومن أمثلة السنة القولية : قوله ­ عليه الصلاة والسلام ­: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ)) البخاري
وقوله­ عليه الصلاة والسلام ­: ((الْخَرَاجُ بِالضَّمان)) الشافعي كتاب البيوع
وإذا أطلق لفظ الحديث عند الأصوليين فالمراد به هذا النوع من السنة فقط.
2- السنة الفعلية: ويقصد بها كل ما رواه الصحابة من أفعاله ­ عليه الصلاة والسلام ­ وعباداته، وتصرفاته في مختلف الظروف والسياقات، مما يصلح أن يكون دليلًا لحكم شرعي.
ومن أمثلة السنة الفعلية : ما نقل عن النبي - عليه الصلاة والسلام - من كيفية وضوئه، وصلاته، وحجه، وصومه، وتهجده، ومعاملته لنسائه، وأصحابه، وللناس جميعًا.
ومنها ­ أيضًا ­ الإشارة: كإشارته - عليه الصلاة والسلام - لكعب بن مالك أن يضع الشطر من دَيْنه عن أبى حدرد الأسلمى. ولا شك أن الإشارة نوع من الفعل، فهي فعل الجوارح.
وهمه - عليه الصلاة والسلام - بفعل شيء، ضرب من السنة الفعلية أيضًا؛ فإن الهم من أفعال القلب، وهو - عليه الصلاة والسلام - لا يهم إلا بأمر هو حق. من ذلك: همه - عليه الصلاة والسلام - بجعل أسفل الرداء أعلاه في الاستسقاء، فثقل عليه فتركه أخرجه الشافعي فى «المسند»
ومن ذلك أيضًا: همه - عليه الصلاة والسلام - إحراق بيوت الذين لا يشهدون الصلاة في المسجد، عقابًا لهم على ذلك أخرجه مالك كتاب صلاة الجماعة
وأما ما كان من أفعاله - صلى الله عليه وسلم - جِبِلِّيًّا، أي: واقعًا بحسب الخِلْقَةِ البشرية - كقيامه، وقعوده،وأكله، وشربه، واستيقاظه، وما إلى ذلك من أفعاله - فإنها لا تعد من السنة التي يجب إتباعها.
وقد اشتهر عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - الإقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى في مثل هذه الأمور، وهذا دال على عمق الإيمان وشدة المحبة له، عليه الصلاة والسلام.
3- السنة التقريرية: والمقصود بها أن يقال قول أو يفعل فعل أمام النبي - عليه الصلاة والسلام - أو في عصره، ويعلم به، فيسكت عنه دون إنكار. وسكوته - عليه السلام - دال على جواز هذا الفعل، أو القول، فهو بمثابة قوله: هذا حلال، أو هذا مشروع.
أما إذا بدا عليه أمارات الاستبشار، أو الاستحسان للفعل، أو القول الذي سمعه ­فدلالته على الجواز أوضح. ومن هنا يصح عندنا نوعان من الإقرار:
النوع الأول: وهو السكوت عما رآه أو سمعه، دون إنكار ولا استبشار.
النوع الثاني: وهو السكوت عنه، مقرونًا بالاستبشار والاستحسان.
ومن أمثلة النوع الأول: ما روى عن عبد الله بن عباس، قال: دخلت أنا وخالد بن الوليد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيت ميمونة، فأتى بضب محنوذ، فأهوى إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده، فقال بعض النسوة اللاتي في بيت ميمونة: أخبروا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما يريد أن يأكل، فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده، فقلت: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: ((لا وَلكنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قومي؛ فَأَجِدُنى أَعَافُهُ))، قال خالد: فاجتررته فأكلته، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينظر)) وفى رواية: ((فلم ينهني)) أخرجه مالك  والبخارى كتاب الذبائح والصيد
ومن أمثلته أيضًا: إقراره ­عليه الصلاة والسلام­ لاجتهاد الصحابة في صلاة العصر، عند انصرافهم من غزوة الخندق إلى غزوة بنى قريظة، حين قال لهم: ((لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلا في بَنِى قُرَيْظَةَ)) أخرجه البخاري كتاب المغازي
؛ فقد نظر بعضهم إلى ظاهر اللفظ في الحديث، ففهم النهى عن صلاة العصر في الطريق، فصلاها بعد أذان المغرب. بينما نظر البعض الآخر إلى المعنى الذي لأجله أمر الرسول - عليه الصلاة والسلام - بعدم الصلاة في الطريق، وهو الإسراع في السير، فصلاها في وقتها. وعندما ذُكِرَ ذلك لرسول الله - صـلى الله عليه وسلم - لم يعنِّف أحدًا من الفريقين.
ومن أمثلة النوع الثاني: إقراره ­عليه الصلاة والسلام­ لمعاذ، عندما سأله صلى الله عليه وسلم : ((كَيْفَ تَقْضِى إِذَا عرضَ لَكَ قَضَاءٌ؟)) قال: أقضى بكتاب الله، قال: ((فَإِنْ لَمْ تَجِدْ في كِتَابِ اللهِ؟)) قال: فبسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((فَإِنْ لَمْ تَجِدْ في سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَلا في كِتَابِ اللهِ؟)) قال: أجتهد رأيي، ولا آلو. فضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدره، وقال: ((الْحَمْدُ للهِ الذي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللهِ لِمَا يُرْضِى رَسُولَ اللهِ)) أخرجه أبو داود كتاب الأقضية
ومن الأمثلة التي تجمع النوعين جميعًا: الاستبشار وعدم الإنكار-: ما تمسك به الشافعي - رضي الله عنه - في القيافة، واعتبارها في إثبات النسب بكلا الأمرين، الاستبشار، وعدم الإنكار - في قصة مجزز المدلجى: فقد كان الكفار يطعنون في نسب أسامة بن زيد للتَّبَايُنِ بين لونه ولون أبيه؛ فقد كان لون أسامة أسود شديد السواد، ولون أبيه زيد أبيض مثل القطن، وكانت أمه أم أيمن مولاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حبشية سوداء. فنظر المدلجى في أقدامهما، وقال: هذه الأقدام بعضها من بعض. فقد سكت - عليه الصلاة والسلام - ولم ينكر عليه، بل دخل على عائشة - رضي الله عنها - وهو مسرور تبرق أسارير وجهه، مما يدل على عمق رضاه، كما ورد ذلك في الأحاديث الصحيحة أخرجه البخاري كتاب الفرائض
وقد عَدَّ بعض العلماء السنة قسمين: قولية، وفعلية. وألحق التقرير بالسنة الفعلية، كما صنع صاحب ((جمع الجوامع)).
 
حجيَّة السنة، ووجوب اتباعها، والتحذير من مخالفتها:
لقد أوحى الله - سبحانه وتعالى - لنبيه القرآن ومثله معه، وهى السنة النبوية، والإجماع منعقد على أن السنة أصل من أصول الدين، وركن فى بنائه القويم، فيجب اتباعها، وتحرم مخالفتها، وعلى ذلك أجمع المسلمون، وتعاضدت الآيات على وجه لا يدع مجالًا للشك، فمن أنكر ذلك، فقد جحد الأدلة القطعية، وسلك غير سبيل المؤمنين، وهى - بذلك - تعتبر المصدر الثاني للتشريع.
فمن الآيات الدالة على ذلك.
قوله تعالى:{ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } [الحشر: 7].
وقوله تعالى: { مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ } [سورة النساء: 80].
وقوله تعالى: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } [الأحزاب:21].
وقوله تعالى: {ِ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } [آل عمران: 31].
وقوله تعالى: { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [النساء:65].
وقوله تعالى: { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63].
وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].
 
إنكار حجية السنة مُوجِبٌ للردة:
وقد طعن نفر من أهل الأهواء والبدع ممن تزيا بزى الإسلام زورًا وبهتانًا في ثبوت السنة؛ ليكون ذلك عذرًا لهم على ردها، وقد كذبوا، وَنَضَّرَ الله أعين رجال سهروا على حفظ هذا الدين!
قال الحافظ ابن عبد البر: أصول العلم الكتاب والسنة، والسنة تنقسم إلى قسمين:
أحدهما: إجماع تنقله الكافة عن الكافة , وهو الخبر المتواتر، فهذا من الحجج القاطعة للأعذار، إذا لم يوجد هناك خلاف، ومن رد إجماعهم فقد رد نصًّا من نصوص الله، تجب استتابته عليه، وإراقة دمه إذا لم يتب؛ لخروجه عما أجمع عليه المسلمون، وسلوكه غير سبيل جميعهم.
والضرب الثاني من السنة: خبر الآحاد والثقات الأثبات المتصل الإسناد، فهذا يوجب العمل عند جماعة علماء الأمة الذين هم الحجة والقدوة، ومنهم من يقول: إنه يوجب العلم والعمل.
وقال ابن حزم بعدما ساق قول الله - تعالى-: { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59]
قال: والبرهان على أن المراد بهذا الرد إنما هو إلى القرآن والخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: أن الأمة مجمعة على أن هذا الخطاب متوجه إلينا، وإلى كل من يخلقه، وتركب روحه فى جسده. وساق - أيضا - قول الله -تعالى-: { وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ } [الشورى: 10]
فالله - تعالى - يردنا إلى كلام - نبيه صلى الله عليه وسلم - على ما قررناه آنفا، فلم يسع مسلمًا يقر بالتوحيد أن يرجع عند التنازع إلى غير القرآن والخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أن يأبى عما وجد فيهما. فإن فعل ذلك بعد قيام الحجة عليه فهو فاسق، وأما من فعله مستحلا للخروج عن أمرهما، وموجبا لطاعة أحد دونهما­ فهو كافر لا شك عندنا فى ذلك.
قال: وقد ذكر محمد بن نصر المروزى أن إسحاق بن راهويه كان يقول: من بلغه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خبر يقر بصحته، ثم رده بغير تقية فهو كافر.
وقال: ولم نحتج فى هذا بإسحاق، وإنما أوردناه؛ لئلا يظن جاهل أننا متفردون بهذا القول، وإنما احتججنا فى تكفيرنا من استحل خلاف ما صح عنده عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقول الله تعالى: { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } [النساء: 65]، هذه الآية كافية لمن عقل وحذر، وآمن بالله واليوم الآخر، وأيقن أن هذا العهد عهد ربه إليه، ووصيته - عز وجل - الواردة عليه. فليفتش الإنسان نفسه، فإن وجد في نفسه مما قضاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كل خبر يصححه ما قد بلغه، أو وجد نفسه غير مسلمة لما جاءه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو وجد نفسه مائلة إلى قول فلان وفلان، أو إلى قياسه واستحسانه، أو وجد نفسه تُحَكِّمُ فيما نازعت فيه أحدًا دون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من صحابى فمن دونه : فليعلم أن الله قد أقسم - وقوله الحق - أنه ليس مؤمناً، وصدق الله تعالى، وإذا لم يكن مؤمناً، فهو كافر، ولا سبيل إلى قسم ثالث، ثم ساق قول الله تعالى: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} [النساء: 61]،
فليتق الله الذي إليه المعاد امرؤ على نفسه، ولتوجل نفسه عند قراءة هذه الآية، وليشتد إشفاقه من أن يكون مختارًا للدخول تحت هذه الصفة المذكورة المذمومة الموبقة الموجبة للنار.
وقال: لو أن امرأ قال: لا نأخذ إلا ما وجدنا في القرآن­ لكان كافرًا بإجماع الأمة، ولكان لا يلزمه إلا ركعة ما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل، وأخرى عند الفجر؛ لأن ذلك هو أقل ما يقع عليه اسم صلاة، ولا حد للأكثر في ذلك. وقائل هذا مشرك حلال الدم والمال.
وقال: لو أن امرأ لا يأخذ إلا بما اجتمعت عليه الأمة فقط، ويترك كل ما اختلفوا فيه مما قد جاءت به النصوص­ لكان فاسقًا بإجماع الأمة.
 
العلاقة بين الكتاب والسنة:
ومن المعلوم بالضرورة: أن كل ما ورد عن الله ­ تعالى ­ لا يمكن أن يوصف بأن فيه اختلافًا، والمعلوم أن كلا من القرآن والسنة موحًى به من عند الله ­ تعالى ­ كما قدمنا.
ولهذا يقول ابن القيم: والذى يشهد الله ورسوله به: أنه لم تأت سنة صحيحة واحدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تناقض كتاب الله - تعالى - وتخالفه ألبتة، كيف ورسول الله هو المبين لكتاب الله، وعليه أنزل، وبه هداه الله؟! فهو مأمور باتباعه، وهو أعلم الخلق بتأويله ومراده، فلا يوجد تخالف، وإن حصل مخالفة فى ظاهر اللفظ؛ فيكون ذلك للخفاء على المجتهد. فعلى ضوء ذلك، إذا تتبعنا السنة من حيث دلالتها على الأحكام التى اشتمل عليها القرآن إجمالا وتفصيلاً وجدناها تأتى على أنحاء، منها:
أولاً: السنة الموافقة للقرآن:
وترد هذه السنة ­ حينئذ ­ مورد التأكيد، فيكون الحكم مستمدا من مصدرين: القرآن مثبتا له، والسنة مؤيدة.
ومن أمثلة ذلك: قوله - صلى الله عليه وسلم-: ((اتقُوا اللهَ فِى النِّسَاءِ؛ فَإِنَّهُنَّ عوانٍ عندكُمْ أخذتموهُنَّ بأمانةِ اللهِ وَاسْتَحْللتُم فروجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ»، فإنه يوافق قوله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19].
وقوله صلى الله عليه وسلم : ((إِنَّ اللهَ لَيُمْلِى للظالمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يفلتْهُ»، فإنه موافق لقوله تعالى:{ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ} [هود: 102].
ثانيًا: السنة المبينة للقرآن:
وتنقسم إلى أنواع إليك بيانها:
أ­ بيان المجمل: حيث ترد السنة مفصلة لما أجمله القرآن الكريم ومثالها: الأحاديث التى جاءت فيها أحكام الصلاة، فقال صلى الله عليه وسلم : ((صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِى أُصَلِّى)) أخرجه البخارى
وجاء في الكتاب وجوب الحج من غير تفصيل لمناسكه، فبينت السنة ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: ((لِتأْخُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ)) أخرجه أحمد  ومسلم
وقد نص القرآن الكريم على وجوب الزكاة من غير بيان لما تجب فيه، ولا لمقدار الواجب، فبينت السنة ذلك كله.
ب - تقييد المطلق: حيث تقيد السنة ما جاء ذكره مطلقًا فى القرآن الكريم، ومثال ذلك: الأحاديث التي حددت المراد من اليد، فى قوله تعالى:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38]، فبينت السنة أنها اليمنى، وأن القطع من الكوع.
وقوله تعالى أيضا: {... لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا} [النساء: 11] حيث وردت الوصية مطلقا دون تحديد لمقدارها، فقيدتها السنة بعدم الزيادة على الثلث.
جـ - تخصيص العام: ومثالها الحديث الذى بَيَّنَ أن المراد من الظلم في قوله تعالى: { الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام: 82] : هو الشرك، فقد فهم بعض الصحابة منه العموم، حتى قالوا: أَيُّنَا لم يظلم؟! فقال لهم صلى الله عليه وسلم:  ((لَيْسَ بِذَاكَ، إِنَّما هُوَ الشِّرْكُ)) أخرجه البخارى
ومن أمثلة ذلك أيضا: أن الله ­عز وجل­ أمر أن يرث الأولاد الآباء أو الأمهات، على نحو ما بين بقوله: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ } [النساء: 11]، فكان هذا الحكم عامًّا فى كل أصل مورث، وكل ولد وارث فقصرت السنة الأصل على غير الأنبياء.
وقصرت الولد الوارث على غير القاتل؛ حيث قال صلى الله عليه وسلم: ((القاتل لا يرث)) أخرجه الترمذى، وكذلك بينت أن اختلاف الدين مانع من موانع الإرث.
وقال تعالى ­ في المرأة يطلقها زوجها ثلاثا­: { فَلَا تَحِلُّ لَهُ} [البقرة: 23]، واحتمل ذلك أن يكون المراد بـ « تنكح زوجًا غيره»: عقد النكاح وحده، واحتمل أن يكون المراد: الإصابة أيضًا؛ فبينت السنة أن المراد به الإصابة بعد العقد.
د­ توضيح المشكل: فثمة آيات فى القرآن الكريم أشكل على الناس فهمها، فجاءت السنة ترفع الإشكال وتزيل الالتباس، كالحديث الذى بين المراد من الخيطين، فى قوله تعالى: { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} [البقرة:187]، فقد فهم بعض الصحابة أن المراد بالخيطين : العقال الأبيض، والعقال الأسود، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ((هُمَا بَيَاضُ النَّهَارِ وَسَوَادُ اللَّيلِ)).
وأكثر ما في السنة من هذا النوع؛ ولهذه الغلبة قيل وصفًا لها: إنها مبينة للكتاب.
ثالثًا: السنة الواردة بحكم سكت عنه القرآن:
ومن أمثلة ذلك النوع: قوله صلى الله عليه وسلم : ((هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الحلُّ ميتتُهُ)) أخرجه مالك
وقوله صلى الله عليه وسلم فى الجنين الخارج من بطن أمه المذكاة­: ((ذَكَاةُ الجنينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ))
ومنه أيضًا الأحاديث الواردة في تحريم ربا الفضل. والأحاديث الواردة في تحريم كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، وتحريم لحوم الحمر الأهلية. والأحاديث التى دلت على تحريم الرضاع، وتحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها.
تنبيه: وقد اتفق المسلمون على النوع الأول والثاني من هذا التقسيم، وأما النوع الثالث فمحل خلاف بينهم، كما صرح بذلك الشافعي فى «رسالته»؛ إذ يقول: «فلم أعلم من أهل العلم مخالفًا في أن سنن النبي - صلى الله عليه وسلم - من ثلاثة وجوه، فاجتمعوا على وجهين:
أحدهما: ما أنزل الله فيه نص كتاب، فبينه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل ما نص الكتاب.
والآخر: ما أنزل الله فيه جملة كتاب، فبين النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الله معنى ما أراد. وهذان الوجهان اللذان لم يختلفوا فيهما.
والوجه الثالث: ما سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما ليس فيه نص كتاب - كما قدمنا - فمنهم من قال: جعل الله له بما افترض من طاعته، وسبق من علمه، وتوفيقه لمرضاته - أن يسن فيما ليس فيه نص كتاب.
ومنهم من قال: لم يسن سنة قط إلا ولها أصل فى الكتاب، كما كانت سنته تبين عدد الصلاة وعملها، على أصل جملة فرض الصلاة. وكذلك ما سن من البيوع، وغيرها من الشرائع؛ لأن الله قال: { وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [النساء: 29]. وقال:{ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275].
ومنهم من قال: بل جاءته به رسالة الله، فأثبتت بفرض الله.
ومنهم من قال: ألقى الله في روعه كل ما سن.
وقد ذهب العلامة الشيخ عبد الغنى عبد الخالق إلى أن: حكاية الشافعى لهذه الأقوال فى النوع الثالث تدل على أن القول الأول والثالث والرابع على اتفاق فى أن السنة تستقل بالتشريع، ومختلفة فى أن النبى - صلى الله عليه وسلم - هل هو المشرع المستقل من عند نفسه مع توفيقه ­ تعالى ­ له بالصواب؟ أم ينزل عليه الوحى به، أم يلهمه الله إياه؟ وأما القول الثانى فهو المخالف، وقال: والحق فى هذه المسألة: أنها حجة، وتعبدنا الله بالأخذ بها، والعمل بمقتضاها، واستدل لرأيه ذلك بأدلة هى:
أولاً: عموم عصمته صلى الله عليه وسلم الثابتة بالمعجزة، عن الخطأ فى التبليغ لكل ما جاء به عن الله تعالى، ومن ذلك ما وردت به السنة، وسكت عنه الكتاب، فهو إذن حق مطابق لما عند الله تعالى، وكل ما كان كذلك، فالعمل به واجب.
ثانيًا: عموم آيات الكتاب الدالة على حجية السنة؛ فهى تدل على حجيتها، سواء أكانت مؤكدة، أم مبينة، أم مستقلة، وقد كثرت هذه الآيات كثرة تفيد القطع بعمومها للأنواع الثلاثة، وبعدم احتمالها للتخصيص بإخراج نوع عن الآخر، بل إن قول الله تعالى: { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [النساء: 65] فهذه الآية تفيد حجية خصوص السنة المستقلة.
قال الشافعى ­ رضى الله عنه ­ فى توجيهها­: نزلت هذه الآية فى رجل خاصم الزبير فى أرض فقضى النبى - صلى الله عليه وسلم - بها للزبير.
وقال الشافعى: وهذا القضاء سنة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا حكم منصوص فى القرآن.
ثالثا: عموم الأحاديث المثبتة لحجية السنة، مؤكدة كانت، أو مبينة، أو مستقلة، كقوله صلى الله عليه وسلم : ((عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِى)) . وهذه الأحاديث كثيرة، وهى تفيد القطع بهذا العموم، وقد ورد ما هو خاص بالسنة المستقلة، أو يكون - على أقل تقدير - دخولها فيه متبادرًا فى النظر، وأولى من دخول غيرها، فمن ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم : ((لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكتِهِ يَأْتيهِ الأمرُ مِنْ أَمْرِى ممَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ: لا أَدْرِى، مَا وَجَدْنَا فِى كِتَابِ اللهِ اتَّبَعْنَاهُ))
وقوله صلى الله عليه وسلم : «أَلا إِنِّى أُوتيتُ القُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُم بهذَا القُرآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحلُّوهُ, وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحرِّمُوهُ، وإنما حرَّم رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، مَا حَرَّمَ اللهُ تعالى، أَلا لايَحِلُّ لَكُم الحمارُ الأهلىُّ، وَلَا كلُّ ذِى نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَلَا لُقَطَةُ مُعَاهِدٍ، إلا أَنْ يَسْتَغْنِى عَنْها صَاحِبُهَا، وَمَنْ نَزَلَ بقومٍ فعليهم أَنْ يُقْروهُ، فإنْ لَمْ يُقْروهُ فَلَهُ أَنْ يعقبَهُمْ بِمثلِ قِرَاهُ»أخرجه أبو داود
ولا ريب أن تحريم الحمر الأهلية المذكورة فى الحديث ليس فى القرآن، فهو متعلق بما نحن فيه، ولا يخفى أن الظاهر من قوله صلى الله عليه وسلم : «ومِثْلَهُ مَعَهُ» ما كان مستقلا عنه، وإن سلمنا شموله لغيره أيضًا، فلا ضَيْرَ علينا؛ حيث إنه أثبت أن الجميع من عند الله، والحديث الأول يخبرنا أن كل ما لا يوجد فى كتاب الله مما أمر به الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو نهى عنه، فتركه مذموم منهى عنه، وذلك يستلزم الحجية، والمتبادر من عدم الوجود ألا يكون مذكورًا فى الكتاب، لا إجمالا، ولا تفصيلا.
ولقد بوب الخطيب البغدادي في كفايته بابا، فقال: ((باب ما جاء فى التسوية بين حكم كـتاب الله - تعالى - وحكم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى وجوب العمل، ولزوم التكليف))، وذكر الحديثين.
وقال الشافعى­ رحمه الله­: وما سَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ليس لله فيه نصُّ حُكْمٍ فبحكم الله سَنَّهُ، وكذلك أخبرنا الله فى قوله تعالى: { وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِى لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ } [الشورى: 52, 53]، وقد سَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كتاب الله، وسن فيما ليس فيه بعينه نص كتاب، وكل ما سن، فقد ألزمنا الله باتباعه، وجعل فى اتباعه طاعته، وفى القعود عن اتباعه معصيته التى لم يعذر بها خلقاً، ولم يجعل له من اتباع سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مخرجًا. وبهذا يتضح لنا حجية السنة بأقسامها الثلاثة، فظهر بطلان شبهة المعاندين.

 
 صفحة للطباعة صفحة للطباعة

 أرسل هذا المقال لصديق أرسل هذا المقال لصديق


شبكة التربية الإسلامية الشاملة
المشرف العام الأستاذ أحمد مدهار
جميع الحقوق محفوظة للشبكة
2004/2003
لأفضل مشاهدة ننصح بأن تكون درجة وضوح الشاشة 1024× 768