مرتبة السنة من الكتاب في الحجيَّة
التاريخ: 16-10-1426 هـ
تصنيف المواضيع: مكون أصول الفقه




 

مرتبة السنة الشريفة من الكتاب الكريم في الحجيَّة

 

السنة حجة وواجبة الاتباع للأدلة المتقدمة، ولكن هل هي في مرتبة  القرآن الكريم، أم هي في مرتبة أدنى منه؟.

والجواب أن السنة الشريفة ن حيث مصدريتها للأحكام الشرعية تعد في مرتبة القرآن الكريم تماما، إذ هي دليل قاطع على حكم الله تعالى سبحانه ما دامت صحيحة بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم  لما تقدم من الأدلة، فلا فرق والحال هذه بين حكم الله تعالى الذي ورد على لسان النبي صلى الله عليه وسلم  بلفظه ومعناه (القرآن الكريم) وبين حكم الله الذي ورد على لسان النبي صلى الله عليه وسلم  بمعناه دون لفظه (السنة الشريفة)، ما دام مصدر الحكم في الحالتين هو الله تعالى، ولذلك أجاز جمهور الفقهاء نسخ السنة الشريفة بالقرآن الكريم، ونسخ القرآن الكريم بالسنة الشريفة، أما الشافعية فقد خالفوا ذلك ولم يجيزوا نسخ  القرآن الكريم بالسنة، ولكن هذه المخالفة ليست بسبب نزول السنة الشريفة ن مرتبة القرآن عندهم، بدليل أنهم لم يجيزوا نسخ السنة الشريفة   بالقرآن الكريم أيضاً، ولكن لأن كلا من السنة الشريفة والقرآن الكريم مصدر مستقل بذاته. والنسخ يقتضي رجحان الناسخ على المنسوخ، ولا رجحان هنا لأحدهما على الآخر فلا ينسخ به.

وهذا بطبيعة الحال إذا تساوت السنة الشريفة  بالقرآن الكريم من حيث الثبوت، بأن كانت السنة الشريفة متواترة، إذ القرآن الكريم متواتر كله جملة وتفصيلاً، أما السنة الشريفة   الآحادية، فهي في مرتبة دون القرآن الكريم بالإجماع، ولكن لا لأنها سنة بل لأنها دون مرتبته في الثبوت، فهو متواتر قطعي وهي آحادية ظنية.

هذا من حيث مصدرية السنة الشريفة للأحكام، أما من حيث الحاجة إليها في استيفاء الأحكام، فهي في المرتبة الثانية بعد القرآن الكريم،  ذلك لأسباب عدة أهمها:

 

أ) القرآن الكريم قطعي الثبوت كله بالإجماع، أما السنة الشريفة  فهي آحادية ظنية الثبوت في معظمها، إذا المتواتر منها بقليل، وحتى في هذا القليل تختلف أنظار الفقهاء، حتى يكاد لا يخلو حديث متواتر واحد من الاختلاف في تواتره بين الفقهاء، وما كان قطعي الثبوت بالإجماع لاشك أولى بالتقديم في الرجوع إليه من المختلف على قطعيته  

 

ب) السنة الشريفة  :بينة للكتاب وشارحة لنصوصه، فهو على ذلك أصل بالنسبة لها، وهي له تبع، وطبعي أن يحتاج إلى الأصل قبل التبع،  ثم إنه لو سقط المبيَّن لسقط البيان ولا عكس، ولذلك كانت بعده.  

 

ج) ما جاء في حديث معاذ بن جبل حينما أرسله الرسول صلى الله عليه وسلم  إلى اليمن، فقد قدم القرآن الكريم على السنة الشريفة وأقره رسول الله صلى الله عليه وسلم  فكان ذلك دليلا على تقديم  القرآن الكريم عليها، ولكن ينبغي أن ينحصر هذا التقديم في الحاجة إليها فقط، ولا يتعداه إلى مصدريتها، لأنها في ذلك في مرتبة تساوي  القرآن الكريم تماما كما تقدم.

 

د) القرآن الكريم محصور في نصوص محدودة يسهل الرجوع إليها واستقصاؤها، أما السنة الشريفة فغير محصورة، بل هي واسعة جدا، فكان في تأخير الرجوع إليها بعد  القرآن الكريم وجها مقبولا، هذا ولا بد من التنبيه هنا إلى أن أكثر الأصوليين ساروا على أن  السنة الشريفة   في المرتبة الثانية بعد القرآن الكريم دون تفصيل، ولا بد من حمل قولهم هذا على الوجه الثاني دون الأول كما أوضحت، وأن تغاضيهم عن هذا البيان والتفصيل إنما كان للعلم به لا لإنكاره، فيتنبه له.

 

شروط حجيِّة السنة الشريفة  :

السنة الشريفة حجة كما تقدم،  سواء أكانت قولية أم فعلية أم تقريرية،  ولكن هذا ليس على إطلاقه، فإن تصرفاته صلى الله عليه وسلم  الفعلية أو القولية أو التقريرية تنقسم إلى قسمين:

قسم يفعله بصفته التشريعية التبليغية عن الله تعالى، وقسم يفعله بصفته البشرية الجبلية،

فمن القسم الأول كل ما يتعلق بالأحكام والحلال والحرام، ومن القسم الثاني كل الأمور الخاصة به التي مبناها على الجبلة والطبيعة البشرية كطريقته صلى الله عليه وسلم  في نومه ومشيته ولباسه وترتيبه للجيوش وتنظيمه لأثاث بيته وغير ذلك.

فما كان من القسم الأول فداخل في نطاق التشريع والإلزام، ويعد مصدرا أصليا للشريعة الإسلامية لما تقدم.

وما كان من القسم الثاني فإنه خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم  لا إلزام ولا حجية فيه على أحد، ولذلك فإننا نرى الفقهاء يستثنون من السنة الشريفة الملزمة أمورا ثلاثة لا يعتبرون فيها حجية ما. وهذه الأمور هي:

 

1-      والأعمال التي يقوم بها النبي صلى الله عليه وسلم  بمقتضى طبيعته البشرية، وجبلته الإنسانية، كطعامه وشرابه وقيامه وقعوده ومشيته ولباسه وغير ذلك.

2-      الأقوال التي تصدر عنه بمقتضى خبرته الإنسانية غير المعتمدة على الوحي وغير المتصلة بالأمور التشريعية، كصف الجيش، وطبخ الطعام وغيره، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم  في غزوة بدر أنه صف الجيش على شكل معين وفي موضع محدد،  فسأله أحد الصحابة وهو الحباب بن المنذر: أهذا منزل أنزلك الله إياه ليس لنا أن نتقدم عنه أو نتأخر، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم  : بل هو الرأي والحرب والمكيدة، فقال الحباب: إذا ليس لك هذا بمنزل، وأشار بتغييره، فوافق النبي صلى الله عليه وسلم  على ذلك، فدل هذا على أن ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم  أولا ليس بتشريع ملزم، وكذلك حادثة تأبير النخل، وقول النبي صلى الله عليه وسلم  لهم ثانيا: أنتم أعلم بأمور دنياكم، دليل على ذلك أيضا، لأن هذه الأمور تقوم على الخبرة الإنسانية المجردة عن الوحي، ونحن إنما اعتبرنا السنة الشريفة حجة لاستنادها إلى الوحي فلما انفصلت عنه لم يعد فيها حجية.

3-     ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم  من قول أو فعل وقام دليل خاص على اعتباره خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم  لا يعم غيره، فإنه لا يعتبر تشريعا لعامة المسلمين لهذا الدليل، من ذلك إباحة الله له التزوج بأكثر من أربع نسوة مع تحريم ذلك على المؤمنين بنص القرآن الكريم، أو قام الدليل على اعتباره خاصا بحالة واحدة، كشهادة خزيمة.

فما عدى هذه الأمور الثلاثة فهو سنة ملزمة للمؤمنين،  وهو مصدر من مصادر التشريع الإسلامي الأصــلية.







هذه الموضوع من موقع شبكة التربية الإسلامية الشاملة أقسام ثاني باك
http://2bac.medharweb.net

عنوان الرابط لهذه الموضوع:
http://2bac.medharweb.net/modules.php?name=News&file=article&sid=216